الجمعة، 25 أبريل، 2014

سيوة ... واحة القلب



الأربعاء 16/4/2014 
في العمل ؛ أفكر أنني أعملُ منذ أسبوعين متواصلين في المنيا ؛ و أن خمسة عشر يوما مضت منذُ آخر قبلتين على وجنتي أمي سريعا في الصباح و أنني لابد أن أسافر اليوم للمنزل لتجهيز أغراضي ثم أسافر مرة أخرى للقاهرة حتى أستطيع موافاة باقي الزملاء الساعة الثامنة صباحا (صبيحة الجمعة) ... ثم أفكر ان ثمة محضر اجتماع لم يُكتب و ترجمة ناقصة لم تتم ؛ و أشياء لم تُشترَى . 
ثم أريدُ أن ابكي ؛ كطفلةٍ ؛ ثم تذكرت أنني لو بكيت فلن أستطيع إتمام الترجمات و التقارير ؛ ثم أن مكتبي يطل على مساحةٍ مكشوفة و أبدا ما كنتُ تلك الفتاة التي تبكي علانية ؛ فقررتُ أن أؤجل البكاء لما بعد ...
الخميس 17/4/2014
في الصباح ؛ انشغل بغسل كومة من ثيابي  بينما استمر في ترجمتي و ملاحقة بريدي الإلكتروني ؛ أبدو مشغولة جدا ما بين الشرفة حيث ملابسي تتباهى بألوانها و بين اللاب توب المفتوح على السرير ؛ و في المساء حينما تكف الفوضى قليلا تحادثني شيماء (قطر الندى) عن وصولي للقاهرة فأخبرها ببساطة أني سأسافر فجرا من المنزل مباشرة ؛ فتصفني بالجنون قليلا ثم ننتهي على وعد باللقاء صباحا .
سأضيفُ أنا الى صفة (الجنون) صفة الحماقة فيما بعد – حيثُ أني كنت أتخيل المسافة من القاهرة الى سيوة سبع ساعاتٍ فقط ؛ أضيفها على ساعتي سفر من بني سويف الى القاهرة – اذن المجمل تسع او عشر ساعات و هو ما قدرت أنني يمكنني احتماله (بشبه قرحة في المعدة و نقص تغذية حاد بلا فخر) و للمفاجأة السعيدة جدا جدا أن السفر يتجاوز الاثني عشر ساعة J
مرورا بالساحل الشمالي و مرسى مطروح ؛ هبوطا إلى سيوة و لا عزاء لمعدتي المسكينة و الدوار .

الجمعة 18/4/2014


دعني احدثك عن القرارات الشجاعة
في هذا الصباح
عن حقيبتي الممتلئة بملابس غير متجانسة
و قائمة بأشياء لا بد اني نسيتها
و السفر الطويل الذي سيتجاوز الاثني عشرة ساعة
و ترجمة ناقصة،
دعني احدثك عن الغريب الذي ادهشته رؤيتي في الصباح
و سلامه الذي اسعدني كابتسامة مباغتة
وسط الصمت
كل ذلك يصنع بداية مناسبة للمزيد من الفرح


في الاتوبيس ؛ مقعدي الى جوار النافذة بالخلف ... اوبرا طاولة البليارد للزميل العزيز مصطفى سيف في حقيبتي و عزمي على تسجيل رحلتي لحظة بلحظة ؛ الغريب الذي قابلته مصادفة في رحلةٍ سابقة سيخبرني فيما بعد (اني شكلي كان خلصان ) فأبتسم له  في عفوية و أخبره عن ضغط العمل ... ثم سأختلس النظر الى وجهي في المرآة  لأتتبع أثار عينيه ؛ متسائلة عن تعبي و ارهاقي المكشوفين ؛ لأخاف كثيرا من ما سيكشفه وجهي أيضا و أنا التي صرتُ لا احتمل النظر في عيني أي شخص و بالأخص لو كان رجلا و لا أستطيعُ الحياة بغير نظارتي الشمية .
ثُم أنسحب باقي الرحلة لأجيد العزف على نوتاتي الموسيقية ؛ بدون صخبهم و بدون تداخل تردداتهم مع تردداتي .

في الطريق ؛ نصل الى مرسى مطروح ... الطريق الذي ينتهي بالبحر الفيروزي ؛ حيث تتعانق كل درجات الأزرقين البحر و السماء  و أنا  لطالما كنتُ ابنة الأزرق و انتمي الى الموج ... الوقت المتاح لنا لننعم بالبحر كان نصف ساعة فقط ؛ نصف ساعة كانت كافية لي للتسلل و عبور  مجموعة من الحبال التي تغلق السلالم المؤدية للبحر  لأصبح وجها لوجه مع الموج ؛ و لا اكتفي من القرب بمجرد الوقوف ؛ اطمئن ان لا احد بالجوار ثم انزع حذائي الرياضي و جوربي و اكشف عن ساقي بما يسمح لأغوص في رمل الشاطئ و اتنفس بعمق و انا أقول لنفسي (لو معملتيش كدا يا هدير هتندمي ) و لا اريدُ تفويت فرصة اندمُ عليها لاحقا .. مستمتعة جدا بجنوني و الموج يغازل قدمي و يبلل ملابسي في شقاوة طفل بينما يمحو اثار قدمي الحافيتين على الرمال ... كل ذلك الجمال يا الله يغسل قلبي ... التقط التصاوير للبحر و لي ؛ لأكتشف فيما بعد طفلة تضحك بوجه صافي بلا أي اثار تعب ...

ثم أعود الى الاتوبيس بقدمين مبللتين و رمل و نظرة لوم من صديقاتي / يقابلها فخر من ناحيتي لأكمل خمس ساعات أخرى من السفر بمعدة معطوبة و قدمين ترتجفان من البرد و ابتسامة واسعة و سع الأزرق !


في العاشرة و النصف مساءا؛ ندخل سيوة 
سيوة المرسومة في كتبنا الدراسية على هيئة خيمة و نخلتين و بدوي يرعى و جمل ؛ سيوة التي وعدتني ليلة أقضيها في الصحراء ليلا تحت النجوم العارية من أضواء المدينة الصناعية ؛ وعدتني برفقة طويلة مع نفسي .... و أنا أتذكر بأن كل احلامي التي تحتويك تتحقق كاملةً بغيرك ؛ عن ورقة مكتوب فيها بالأزرق (صحرا و بحر) شاركتك إياها ذات يوم عندما اخبرتني عن ما اتمناه ؛ و لا ادري احزن ام افرح ... و الله يربت قلبي بسكينته لأشعر على نحو ما بأن كل شيء سيكون على ما يرام .

نضع امتعتنا في الغرف المخصصة لنا في فندق (واحة الريم) ؛ نتناول عشاءنا ثم ننطلق لنزور المدينة القديمة شالي و التي تقع في وسط البلد ؛ يقول المرشد ان قديما  كان اهل سيوة بسكنون هذه المدينة اعلى الجبل و المنحوتة بالكامل فيه ؛ غير أن امطارا غزيرة أطاحت بها فنزل أهلها للوادي ... نسيرُ بين انقاض المدينة و نصعد سلالمها الحجرية و استندُ على جدرانها ؛ اربتُ على الحيوات التي مرت عليها و لا استطيع منع نفسي من الاستسلام لبساطة الحياة هنا و لا للهجة اهل سيوة من البدو / العرب و فخرهم القبائلي و لغتهم الامازيغية و مزاحهم و غزلهم اللطيف . فطرة نقية قوامها البلح و الزيتون و السيدات يحتجبن داخل المنازل فلا نصادفهن إلا لماما و مغطيات بالكامل غير حاسرات الوجه . ننزل من شالي لنجلس في احد الكافيهات (شهرزاد) جلسة عربية على وسائد مستمتعين بالشاي السيناوي الذي يأتي على هيئة براد صغير و كوب زجاجي صغير جدا لا يتجاوز جرعة واحدة ؛ لنحتسي الشاي في صحة سيوة ؛ خمس بنات و شاب ... لنعود بعدها سيرا على الأقدام في شوارع صامتة و مظلمة معتمدين على أضواء هواتفنا المحمولة لا نكف عن الثرثرة و الضحك و لا يشاركنا الفضول سوى النخلات الباسقات على جوانب الطريق.

في الصباح التالي نذهب لزيارة معبد امون و جبل الموتى و عين كليوباترا ؛ لنشاهد الغروب و الشمس تسقط بهدوء في المياه ؛ أصعد الدرجات الأولى من جبل الموتى ثُم تخذلني عافيتي لأكتفي بالتقاط الصور  و الانتظار في الظل ؛ عازمة أن اعود في العام القادم بصحة أفضل تمكنني من ارتقاء الجبال ( ليس الأمر مستحيلا) و الغوص في عيون الماء ... بعد الغذاء في المدينة كان علينا العودة مجددا للفندق للاستعداد للتخييم في الصحراء قرب عين المياه بير واحد  حيثُ تم نصب الخيام لنا و اشعال النيران في راكيات (حلقات) دائرية كبيرة ...
محملين بحقائب النوم Sleeping Bag و متحمسين بشدة ( انا على الأخص)  نصل الى المخيم ... حيث لا كهرباء ؛ فقط النيران و أضواء الكشافات نتبين على اثرها مواطئ أقدامنا ... نتناول العشاء و ننتظم في حلقات من النقاش و الألعاب حول النيران , لنتعرف من جديد على اسمائنا و شخصياتنا الكارتونية المفضلة و مقاس احذيتنا و لا ننتهي من اللعب الا حينما  تخبو النيران .. أواصل جنوني باستمتاع حينما أرفض النوم داخل الخيام المخصصة لنا ؛ أريدُ النوم ووجهي للسماء ؛ للنجوم ؛ قطعت كل هذه المسافة لأجل ذلك .
بشجاعة اختار مكانا  مستورا في العراء بين خيمتين لأفرد فيه كيس نومي و ادخل لأنام فقط لأجد حقائب نوم أخرى تتمدد لجواري من سائر البنات اللاتي جئن لمطالعة النجوم .
انام و استيقظ كل خمس دقائق من برد الصحراء الذي ينخر عظامي ؛ حتى تستيقظ مروة من نومها قرب الفجر فتحمل لنا دثارا يؤمن لنا نوما هانئا لمدة ساعة واحدة .
في الصباح / صباح الصحراء نستعد بملابس رياضية لنستكمل برنامج الرحلة لليوم الأخير و الذي سيحمل لي اجمل الذكريات ؛ لأختبر لأول المرة التزلج على الرمال Sand Boarding و استمتع بالمزيد من الجنون !
ثم لأقابل رجلا من أكثر الرجال سحرا و نُبلا في حياتي ؛ ذلك الرجل الذي سيظل علامة فارقة لي و لست صبايا ... بحكاياته و حديثه عن الحب ....

لذلك الرجل الذي أتمنى لو قضيت مزيدا من الوقت معه ....حكاية أخرى أرويها لكم في تدوينة جديدة !








هناك 4 تعليقات:

مصطفى سيف الدين يقول...

الواحد نفسه يفضل في مكان زي ده لحد ما يموت
لا يشوف حد ولا يقابل حد

هدير يقول...

و مين سمعك يا مصطفى ؛ راحة بال و راحة قلب ... السنة اللى جاية قررت اني اروح تاني اذا ربنا شاء و كتب لي عمر :)

P A S H A يقول...

الله
:)
ربنا يسعدك ويفرح قلبك ويحلي أيامك كلها يا رب
:)
* معلش يا أستاذة إذا سمحتي لي حضرتك بسؤال يمكن يكون غريب وسخيف شوية بس مش تريقة والله العظيم :
- إيه الحكمة من تصوير الأحذية في أي مكان جديد البنات بتروحه ؟
D:
لأني لاحظت الفترة اللي فاتت أكتر من صورة عند أكتر من زميلة لصور أحذيتهن في أماكن زاروها ؛ ومش لاقي تفسير للظاهرة دي بصراحة !!
هل ده مثلا له مرجعية في أسطورة ما ؟؟ ولا توثيق لبصمة خطوتك في المكان ؟؟ كأنك مثلاً عاوزة تقولي أن : هدير كانت هنا يوما ما ؟؟ ولا الموضوع كله مجرد صدفة وتوارد خواطر ؟؟
ــــــــــــــــــــــــ

منتظرين باقي الحكاية
:)

هدير يقول...

باشا :]

شوف بالنسبة للكوتشي :) و الشراب الجراي اللى فيه ورد (بينك)اللي في الصورة :)) فده توثيق للجنان الرسمي ؛ مافيش حد عاقل يعمل كدا ... بشكل ما فيه بعد فلسفي شوية .. التناقض بين الكوتشي و الرمل كان تحفة الصراحة :)

انا كنت فرحانة بالبحر قوي ... مش قادرة اقولك قد اييييه :)

لسه الحكاية مكملة !!