الجمعة، 24 مايو، 2013

مركب ورق ...




أعرفُ صديقة قديمة ؛ كانت حينما تشرد بعيدا ... تصنع مراكبا ورقية ملونة من أغطية الحلوى و أوراق دفاترنا ؛ فتمتلئ الغرفة الضيقة من حولنا بالسفن و تتحول لميناء سفر  واسع و ممتد؛ نحنُ أيضاً كنا على سفرٍ دائم علمّنا بعد عدة وداعات ألا نبكِ من الفراق ؛ و ألا ننتظر .
(1)
الانتظار  ؛ سلم حلزوني طويل لناطحة سحاب ؛ أنظر للدوامات المتداخلة بالأسفل و أمنع نفسي من الانزلاق ؛ أنا الطفلة الوحيدة التى كانت تخشى امتطاء الدرابزين ؛ تلتزم بالسلالم الطويلة و سخريتهم في الصباحات البعيدة تصنع خبز جبنها و انعزالها فيما بعد .... الانتظار يمضغني و يدي تصنع المراكب من أغطية الحلوى ؛ مركبٌ واحدٌ ؛ اثنان ... و الطبيب الذي يقرع الباب كموجةٍ عاصفة ؛ تفيض على ميناء القلب ؛ يُعيد كل السفن المسافرة إلى الرسو مجددا .
المركبين يرقدان بمواجهة عيني ؛ بنكهة النعناع و بماركة ترايدنت !

(2)
سأقول له " تغيرتَ كثيرا"  ؛ و ستهرب عيناه الى أفقٍ أبعد ... فأتمنى عندها لو أنني أمسك بوجهه بين يديّ و أجبره على البكاء قليلا ... الرجال الجبال ؛ و الولد الذي أحب يبني جبله الخاص ؛ تحجبني أحجار قلبه التي تعلو يوما بعد يوم ... فتمتد الصحراء بيننا و تتسع ؛ أخبره أنني أخافُ من الصبار   ؛ و لا يفهم !

(3)
الخط الرفيع من الدم المنسدل  صار  لا يُخيفني ؛ خلايا جذعية ؛ أفكر  و ابتسم .... لربما لو ابتلعت قليلا من الخلايا الجذعية لوجدت طريقها للقلب و رتقت كل ثقوبه ... الندبات الخمس التي احملها  كقبلات متناثرة على جسدي  لا  تؤلمني ؛ كففت عن استخدام  الدهان ذو الرائحة النفاذة من زمن بعيد على أمل انتظار  يديك تخطو برفقٍ على كل ندبة فتمسحها و تمنح جسدي ذاكرةً جديدة تليقُ بي ؛ في منامٍ آخر سأقابل وجهك الغير مهتم ؛ نصف معتم ؛ سأتجاوزك بهدوء و أعبر إلى النصف المضيء من الجبل ؛ ذلك الذي نبتت عليه الزهور البرية ..عندها لن أحتاج إلى يديك لتمسح أثار الجروح القديمة ..لكنني سأتوقف طويلا  أمام الصبار الذي كان يُخيفني فيما مضى و ......... أسامحك !

(4)
 يمكنك اختراع كذبة ؛ أنا أصدق الأكذوبات الساذجة التي يفتعلها الرجال لمصالحة حبيباتهم ؛ يمكنك أيضا أن تكتفي بعينين مغرورقتين بالدموع ؛ أقول لك بهما : أنت لا تستحق ؛ بالواقع لا أحد يستحق!
و حين أصمت ؛ تبتلع أنت أيضا ثورتي الحمقاء و  تصمت ؛ لربما عندها تغمرنا لحظة حب صادقة  تمنحنا نورا إضافيا لينير كل جبالنا المظلمة و ينبت الياسمين على جسدي و يديك .
في المنامات ؛ تأتيني بوجهك اللا مهتم ... نصف مضيء / نصف معتم ؛ و في الواقع أخبر هن بابتسامة عريضة و واثقة بأن ( لا أحد يستحق ) .. فيتمادين في التأكيد علي كلماتي بالتهليل و التربيت  و حين ينصرفن ... يتركني الصمت وجها لوجه معك.... لوحة مشدودة بعرض حوائط قلبي الأربعة من العتاب ؛ تصنع مع فوضى مراكبي الورقية جدارية  أخيرة من أغلفة الحلوى و الغياب .

(5)
الصديقة القديمة صارت أما لطفلين صغيرين... اشتقتُ لها و لمراكبها الورقية ؛ ابتسمت على الطرف الآخر من العالم و أخبرتني بلغة جديدة أنها لا تتذكر .


*هامش*
- لا أحد يستحق !



هناك 12 تعليقًا:

رشيد أمديون. أبو حسام الدين يقول...

تماما كذاك المركب الورقي استطعت أن تأخذيني إلى ذاك العالم البعيد، العالم الصامت الذ=ي يتحدث عبرك ومن خلال أسطرك البهية...
أعتقد أن حتى المركب كان ورقيا، فهو لا مجال إلى التصديق فهو إن مشى على الماء يأتي عليه لحظة فيغرق... وهكذا لا شيء يستحق.

أسلوبك ممتع أختي الكريمة
تيحتي

shaimaa samir يقول...

هدير

كيف يمكن للوجع ان يكون له طعم الفرح

المراكب الورقية الملونةوالطفلين اللذان اؤمن تماما انهم يزيلون اصعب الالام بنظرة عين او تربيتة من كف صغير على شعرها

لن تحتاج ان تقتفى اثر الدم المنساب فى الخلايا الجذعية
ستحتاج ان تقتفى اثر طفليها وتسير معهم الى عالمهم الذى تعيشه بداخلها بالفعل
فقط سينتقل الى ارض الواقع

هدير
انا سعدت اننى مررت على مدونتك
وقضمت مكعب سكر رائع

دمت بحب
ا

P A S H A يقول...

(لا أحد) سيسعد كثيراً بكل هذا الجمال
:)

هدير يقول...

رشيد

شكرا جزيلا لحرفك و احساسك
:)

هدير يقول...

شيماء

أنتِ جميلة :)
و انا سعيدة بكِ ؛ دمتِ بحب !

هدير يقول...

باشا :))

" لا أحد" ربما حتى لا يقرأ

:D سيبك انت : مش التدوينة حلوة..يبقى كفاية
دمت بخير !

نهى جمال يقول...

جميل أن تصنعنا المراكب الملونة ومُرعب أن يغرقنا الانتظار في الألم / الوهم والروائح المؤلمة


بديع ومؤلم في ذات الوقت يا هدير
لكنه جميل :)

مصطفى سيف الدين يقول...

كم أعشق سحر قلمك و شذا عطره البديع

Deyaa Ezzat يقول...

كما عهدتك دائمًا أستاذة هدير

تصغين الفكرة بطريقة محتفلة وجذابة وبأسلوب مميز جدا

بالتوفيق دايما

هدير يقول...

نهى :
و الانتظارات تسرق العمر ؛ مراكب مسافرة لا ترسو :)

مرورك هنا فرح ؛ شكرا لكِ

هدير يقول...

مصطفى
:)
اعجز عن التعليق ؛ تحياتي صديقى .

هدير يقول...

ضياء:
شكرا جزيلا لك :)
دمت طيبا