الأربعاء، 27 فبراير، 2013

هديل الحمائم .


تقول الأسطورة أن الحزن ؛ على عكس كل الموجودات ؛ يولدُ كبيرا و يصغُر  ...
*******************************************************************
جدتي كانت لا تؤمن بالأساطير  ؛  هي الجدة التي كانت برغم ذلك تحكي عن الجن و العفاريت و الشاطر حسن و بياض الثلج ......و كانت  تسكن النافذة ... المنزل القديم ذو سلالم أربع متهدمة و قطة سمراء ...كانت هناك منذ الابد و  ست (أم علي) الجارة العجوز تفترش العتبة بعين يسكنها البياض ؛ تخطُ في تراب المدخل خرائط سرية عن الحنين القديم و تعرفها  الخرائط و توشوشها الخطوط في كل مرة .
الشارع قديم كالنقاط البنية على يد جدتي ؛ كالوشم ؛ على الجانبين محلات العطارة و النكهة الدافئة و سلال الغلال ؛ في وقت الغروب و من الميدان الواسع  يمكنك تبين طريقك على أثر أسراب العصافير التي تظلل الشارع كسحابة من ريش ؛ تلتقط ما نثره الزبائن طيلة اليوم من حبوب ؛ يد تقلب الحَب و تنثر القليل و يد تزن الذرة و ما بين الأيادي تنسل الأرزاق ! و لهذا كنتُ أحب زيارة جدتي في الغروب ؛ لأتتبع أسراب العصافير  بينما تستقبلني جدتي في اطار النافذة بيد تحمل الحُب و الحكاية و الدفء.

في نهاية الرواق الممتد غرفة امي و خالاتي ؛ الغرفة الكنز التى تطل على الشارع الضيق (الحارة) ؛ ذلك العالم شديد الثراء و العمق و الحميمية ؛ السرير الوحيد كان كبيرا بما يكفي ليحتل حائط كامل بمحاذاة النافذة ؛ هكذا يمكن لصغيرة مثلي أن تستند بمرفقيها على النافذة بينما يحتويها السرير ؛ و  يمكنني ان انام فتمنحنى السماء فوقي سحابات و طيور و زينات رمضان من الورق القديم و الفرح.
السرير كان يغلق بابا لشرفة ممتدة من غرفة جدتي ؛ جدتي كانت تُربي الحمام في شرفتها تلك ؛ في الفجر تتسحب جدتي لتطعم الحمام بينما يحمل الباب المغلق صوتها صافيا ؛ الحمامات أيضا كانت تُصادق جدتي و  تحكي لها أسرارها , و بالليل حينما تهدل الحمامات صلواتها و تبتهل كنتُ انام احمل هديلها معي يغمرني سلام فياض ؛ كان كنزا خالصا لي .

" الحزن لبلابة ؛ تضرب جِدرها في القلب ... ما يكفيهاش غير الروح براح "

لذلك كانت تُعاند الحزن بصيغ متعددة ؛  تصوغ من الحكايات اليومية دراما للتواصل ؛ النافذة مفتوحة على الشارع ؛ على نوافذ اخرى ؛ على جدات اخريات يصُغن الساعات في روايات  تحارب الحزن و  تنقش في جدار الزمن تراثا انسانيا بحتا عن البوح.
لم تتوقف جدتي عن البوح و لا عن الحديث الى حمامها و طيورها إلا عندما داهمتها  جلطة دماغية تركت نصف جسدها حزينا على نحوٍ خاص و يسكنه اللبلاب  .... بينما ظلت بالنصف الاخر تختزن لى فرحة و حكاية و نصف ابتسامة كلما هممتُ بزيارتها ؛ السلالم الاربعة لاتزال متهدمة كعهدي بها و ست (ام على ) كفت عن تخطيط الدر ب منذ سكن اللبلاب البيت القديم .

اتذكر جدتي الان ؛ لأني لا أريدُ للبلاب ان يعرُش فوق جروحي ؛ فيضيع من روحي هديل الحمائم !

*هامش*

الى ماما ستو  و طيورها في الجنة !

هناك 5 تعليقات:

مصطفى سيف الدين يقول...

الجدة على حق دائما الحزن لبلابة تنمو و تكبر حتى يضيق بها الصدر فلا تتردد الأنفاس و نختنق
اجعلي نبض قلبك هديل حمام يذكرك بأنك ما زلتِ تحيا
تحياتي

asmaa fathy يقول...

جميلة وموجعه

تحيـــــــــــاتي
كانت هنا ورحـــلت
Asmaa Fathy

P A S H A يقول...

جميلة ودافية أوي التدوينة دي ، تسلم الأيادي يا أستاذة
:))

* هامش :

فرد الحمام بــ 34 جنيه عند الفرارجي D:

Israa' A. Youssuf يقول...

مابين الهديل واللبلاب أمل وألم يشكلان مع تماثل حروفهما الحياة..

جميلة وموجعة أوي..
ربنا يباعد بينك وبين اللبلاب :)

Deyaa Ezzat يقول...

الحزن قابع هناك في أعمق أعماق الروح ولذلك..

سيبقى


بالتوفيق دايما