السبت، 22 أكتوبر، 2011

اكتشاف الذات


ثمة طريق طويل , قلبي الذي أعرفه كطفل يرتجف في البداياتِ و يخبأ وجهه في معطفي الشتوي , و الشمس التي أحبها بلا ضوء تقول لي : ليل , فقط ليل !
و أنا أتذكرني , كنت أضحك من قبل و كنت أعرف كيف أبدو حين أضحك , الآن لم يعد للوجه الباسم معنى ما , تمسحني المرايا و زجاج العربات و  واجهة المصعد , تمسحني كلما تركت وجهي في انعكاسي لم أجده , و الساعات التي تنقضي تجبرني ألا أبحث عنه .... فأكمل اليوم بلا وجه .
في الصباح الذي هناك, كنت أقايض الزهور بالذكريات و أغيبني في دوامات اللون الأزرق , أتماهي في شجر الغابات و  على المقعد الوحيد , أترك كل أوراق اليانصيب التي أحمل , أريد للمقعد أن يتذكرني , على يدي شعاع شمس و في قلبي "حزن" و الصباح الشتوي الذي يصر على التجاهل , ينسحب باتجاه الغرب و يترك مقعد اليانصيب ...منفردا , لأن الورقة الرابحة لم تُطبع بعد .

طويل يا طريقي ؛ ثمة أبواب لم تفتح و مغاليق كثيرة و شتاءات و ثلج , أرتجف في الدائرة , أرتجف على المائدة و أرتجف حتى بجوار  الموقد ... أرتجف كورقة و أتظاهر بالملل !
و حين يجلس الليل معي على عتبة السلم الأمامية , سأحكي له عن فيروز و منير  و محمود درويش و كل من أحب , سأثرثر كثيرا و سيفتح هو عينيه و يصغي لي و حين تبدأ السماء في البكاء سنتشارك ظل شجرة  واحدة و ربما تشاركنا فيروز الغناء.
لن أعرف أني غفوت إلا حينما استيقظ في فراشي دافئة , و  حينما أغسل وجهي  و أرفع رأسي في المرآة  , لن أجد قبلته .

قلبي يخبأ وجهه في معطفي , طفلٌ لا زال يغمض عينيه حتى لا يرى الطبيب يغرس محقنه !  طفلٌ يثير الصخب حين يلهو  لكنه  حين يحزن  :  يذبل !
و أنا بعد لا أجدني , لا لافتات تشير حتى أني مررت من هنا من قبل , و كأن دربي ترسم شكل خطوتي  من العدم  ثم تخترع طريقا كي أسير ,  كل الممرات تفضي للاشيء ,تعبت من التجول ,  في المدن الكبيرة  تقتلني وحدتي , الشوارع المرصوفة بقطع الحجارة الصغيرة تحاول أن تواسيني و أنا اجلس في الميادين أراقب الغياب ,  وطني هو أنت .... شمس حقيقية تسطع الآن و كلما تذكرتك .... تغيم أيضا كلما عرفت أن بين هنا و هناك مسافات طويلة  تتجاوز حرف " الكاف" .
السفر
في السماء , يمنحني الدفء , يمنحني الدفء بغير أن يقصد , احتمي بوجوده الخاص , و أشكر تلك الصدفة التي ضيعت منى مقعدا بجوار النافذة لتفتح لي نافذة أخرى , ما عولت على أحد من قبل و بالتأكيد لن أعول عليك فأنا اختبرت خيبات أمل عديدة و لا تنقصني واحدة  ترشق سهمها في قلبي المعلق بين السماء و الأرض . هذه السعادة  التي تغمرني معك , ستنتهي مني حينما يمضي عقرب الساعات نحو الثامنة و  عقرب الدقائق يظل في ثبات .... و عندما يصبح لقدمي أرض , سأخلع ذكراك الطازجة  عني , و أخلع معطفي .
الوصول و الدهشة
و علامات التعجب ترتفع و تهبط , رسم قلب مشاغب يرقص ... و الوجوه تبادرني بابتسامة , ابتسم لأنني أحب . و اندهش لأنني لا أراك .... قلبي بازل كبير  كلما نبض سقطت منه قطعة ,   في  يومِ ما ستسقط كل قطع البازل  و يصمت قلبي للأبد . لن أبحث عنك لأن الحقيقة لا تحمل لافتة عليها الاسم  ,, الحقيقة بازل آخر  في داخلي  لا زلت اجمع قطعها الناقصة  لتكتمل . بيني و بينك صمت يصيغ حكايا كثيرة تريد أن  تحكى ,  مجلدات بيضاء الصفحات  و  البومات تصاوير  بلا صور , ذكرياتي معك تشبه قوس قزح , ملونة لكنها لا تدوم بغير شمس و مطر  .
أنا أنضج .... أم أنني أتظاهر بالنضج , ما أكلت ثمرة الحكمة  و لم ينكشف عني "حجابٌ " ما , تفاحة طازجة  في جيبي تذكرني بأنه كان هناك صباح ممتلئ عن آخره بالتفاح و الموز , ذهبت موزتي و ظلت التفاحة معي تعبر من سماء لسماء و من أرض لأرض , هل كانت  شجرة الخلد شجرة تفاح , و هل انحشرت الثمرة في حنجرة أدم ليورث لنا إنذارا خفي الحكمة على شكل "تفاحة ادم" تعلو و تهبط مع كل قول .
و من أين لي بأنف كأنف "بينوكيو" يستطيل مع كل كذبة لأعرف هل كانت " وحشتيني " تلك مختومة بختم "التعود" و مسجلة بعلامة "تقضية الواجب" أم كانت من القلب , و الأنوف لا تستطيل !
من الخارج الكل مصقول بعناية و بالداخل شقوق و تعاريج ,, لا يمكن لقلبي أن يكون أملس السطح , أراهن كل أطباء العالم , لابد من تعريجات عديدة  و لوحات كثيرة معلقة و حبال ممدودة من الصور و  الأحباب , و الملابس و الألوان و الدمى , فوضى صغيرة من المكعبات و الحلوى ...لابد أيضا أن توجد ندبات  كثيرة و جروح ,, لا يمكن لقلبي أن يكون أملس ,,, تنزلق منه الذكريات !
أنا و السيارات تمنحني ضوئها , و أعمدة النور تركض في طرف العين .....غياب يسحبني لحضور كلما مرقت سيارة  و زفر الهواء الذي خلفته في غيظ , انتفضت . لعبة سباق عملاقة , لهذا أكره القيادة , ألاحق مصيري باضطراد أحمق .
و لحظة التوقف , تشبه نهاية المسلسل , ثم الباب و المصعد
أدوار نتقنها بعناية , كل يوم , نصعد و نهبط , و نصعد ,, نعاند الجاذبية و نسايرها مئات المرات و لا نفطن لحقيقة الموت الذي سيختزل كل عنادنا اليومي مع جاذبيتنا الخاصة حينما تصعد أرواحنا للسماء بينما  تظل أجسادنا في عمق الأرض !  لا مزيد من العناد.
آهٍ يا أنا التي تتفلسف , أعالج الصمت بالحكايا و الثرثرة ...... مونولوج لا يهدأ , و لا الطريق ينتهي !  

هناك تعليقان (2):

shery يقول...

عزيزتي الغالية هدير
ـــــــــــــــــــــــــــــ
رائعة تلك العودة وقوية حد الصدام مع الذات البشرية
قرأت البوست وودت لو ان العالم سمع تصفيقي الحاد
عزيزتي :
ادرك تماما ان رحلتنا لن تنتهي ودهشتنا من هذا العالم وهذا الاخر ايضا لن تنتهي ..سنظل في حيرة دائما ندور في حلقة مفرغة
ولن يتبقى لنا سوى الايمان بذواتنا

رائع ياهدير وعودة جد قوية
تحياتي صديقتي

هدير يقول...

عزيزتي شيري
و ماذا بعد الحيرة و الطرق اللا نهائية يا شيري..أريد أرضا تطمئنى بصلابتها , حتى لو وقعت فسأظل اعلم ان هناك متسع للوقوف من جديد , البدايات مرهقة تماما يا شيري برغم زهوتها ..
ربما فعلا لا يظل إلا ايماننا بذواتنا كما تقولين , حتى نصل لهذا اليقين كم رحلة لاكتشاف الذات تنقصنا يا غالية
؟؟