الخميس، 14 أبريل، 2011

ذكرى الأخضر

خمس و عشرون شجرة تفصلنى عن عملي .. فانا أسكن في المدينة التى يحتفل سكانها بتدشين حوانيتهم و محلاتهم الصغيرة بغرس شجرة خضراء تماما في مواجهة المكان , هكذا كبرت في ظل اللون الأخضر وتعلمت صداقة الأشجار قبل صداقة البشر . الطريق الذي يفضى الى العمل يمر باستقامة لمسافة خمس دقائق سيرا على الأقدام ولمسافة عشر شجرات "فيكس" دائمة الخضرة ثم انعطف يميناً حيث تتناثر باقي الشجرات بامتداد عشر دقائق اخرى لأصل الى عملي فتستقبلنى أشجار المانجو العملاقة بابتسامة خضراء جداً تتحول الى الأصفر الباهت و المشمشي و البرتقالى منذ نهايات يوليو و بدايات اغسطس و سبتمبر على التوالى . عم " عبد الفتاح" هو أول من أرى ,أكاد لا أتبينه وسط زروعاته الخضراء و تغضينات وجهه العجوز الدافىء يستقبلنى بعينين شفافتين و شبه مغمضتين "ازيك يا بنتى " , في رفعة رأسه يهب علي صباحات النعناع الطازج , ذلك النعناع الذي أعلم انه سيزين كوب شايي بعد قليل .
منذ انتقلت الى مكان عملى الجديد و انا فقدت من شجراتى القديمة صفصافتين و اربع شجيرات يا سمين هندي "ليلاك" و دعتهم على مفارق طرق أبعد , سرعان ما احتلت شجرات عم عبد الفتاح محل شجراتي القديمة و كأنه كان يعلم مدى تعلقى بالياسمين و شذاه و الصفصافة العجوز التى تستند منذ الأبد على سور الساحة الشعبية في نهاية الشارع المفضي الى عملى السابق.
لازلت أعد الأشجار و أسميها بأسماء تختلف مع اختلاف مرور مواسمها الربانية عليها و مقصات التقليم التى تهذب من فروعها المتمردة فتجور على الاغصان تاركة لكل شجرة "نيو لوكًا" جديدا يأتى معه بأسم جديد , أطلقه انا عليها حينما امر بجوارها و ابتسم في داخلي حينما يتصادف مرور نسيم يهز اوراقها هكذا يضحك كلانا ضحك مكتوم . تصبح "زعرورة" الشجرة المواجهة للمكتبة بشكلها العجيب الذي قلم حوافها تاركا مجموعة من الاغصان في المنتصف نافرة كزعرورة صغيرة لطفلة نابتة الشعر , بينما تصبح شجرة "الجوكر" المواجهة لسوبر ماركت الجوكر "شورتي" بعد ان قصف التقليم طولها السامق فاصبحت "ٍشورت" و أدللها "شورتى " و لا أحزن عليها لأن كلتانا نعلم جيدا إن هي الا ايام و تستعيد طولها السابق الذي كثيرا ما أثار حفيظة السكان في الطابق الثاني غير ان "الجوكر " لم تكن لتكترث !
لا تزال ذكرى الياسمينات البيضاء التي كانت تسكن ساحة القصر المهجور الذي تطل عليه شرفتنا تحزننى , فالياسمين يأتي معه بذكرى أبي الذى علمنى كيف احب الأخضر ,,لا تزال الذاكرة تحفظه في مزرعته يشير الى كل نبتة و يعرفنى باسمها و ماذا يسميها الفلاحين , يأخذ بيدي و انا اتبعه كظله و اطلب منه الوردة الكبيرة ذات اللون الأصفر فيأمر ان تقطف لى " عبادة شمس " زهرة كانت في عينى الطفلة عملاقة كباقة زهر .
ذكراه تأتينى بالقرنفل والريحان و ست الحسن و الفل الابيض و حنك السبع و الورد البلدي و الياسمين ....
ذكراه تأتيني بالطيب ......... تعطر روحي و ترحل !!

هناك 6 تعليقات:

Bent Ali يقول...

ايه الرقة والجمال ده، يخرب عقلك يا شيخة!

بابكى اخدك وحفر فى ذاكرتك ازهاره ونبتاته، وانت اخدتينا لصندوقك السحرى، وخلتينا نلمس ازهاركم ونبتتكم، كأنك بتطلعينا على خطابات حبيبك الاول...

تدوينك عذبة وريحتها حلوة (اوعى تضحكى) عشان انا شميت فيها رائحة الياسمين ولمست بايدى شجيراتكم

عذبة انت يا هدير مثل تدوينتك، ولكن الاجمل لم يأتى بعد...

هدير يقول...

عزيزتي وفاء

لك جل الفضل في خروج هذه التدوينة الى النور ...مبسوطة جدا انها عجبتك و اتمنى الا تحرميني من تعليقاتك و كلماتك و نقدك .

نور الدين يقول...

جميل... جميل جدا لغتك هايلة وطريقتك تؤكد انك تمتلكين كل ادوات الكتابة
الكتابة تحدى له وجهان .. فكرة نافذة .. ولغة مميزة
انا شوفت الميزة التانية والميزة الاولى الخاصة بالفكرة ستظهر مع تعدد المقالات وتصقل بشكل افضل
اشكر وفاء وشيرين اللى عرفونى مدونتك عن طريق نشر الرابط
تحياتى
نورالدين محمود

shery يقول...

فعلا تدوينة عذبة ورقيقة برقة ازهار الياسمين
وهادئة بهدوء البستان وزهو الشجر الاخضر..
تحياتي لكِ هدير
وتحية لاول مكعب من مكعبات هدير عرفة :))

هدير يقول...

الاستاذ نور الدين
ربما لم تجمعنى بك صدفة من قبل غير قراءتى لتعليقك شديد العمق على تدوينات وفاء و شيري , لذلك فتعليق حضرتك على تدوينتى أسعدني بشدة جدا و شكرك لشيري و فاء أشعرني بالرهبة ..اتمنى ان تثرينى دوما بقراءتك لي و بكلماتك .

هدير يقول...

عزيزتى شيرى

أشكرك بشدة على تعليقك الرقيق , يا جماعة انا بحذرك انتى و وفاء انا خلاص قربت اصدق انى رقيقة و بعرف اكتب و دا خطر كبير على الانسانية :)
عارفة ليه مكعبات يا شيري .... عشان حياتنا كلها كدا مكعبات :))